عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

251

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

لابن غانم : يا أبا عبد الرحمن إنّي أستحي من اللّه أن يراني راكبا وأنت ماشي ، واللّه لتركبنّ فركب ابن غانم خلفه فجعل الناس يتعجبون من تواضع ابن غانم . قلت : وا عجباه ! هكذا كانت القضاة في تواضعهم وتعظيمهم لأصحابهم واليوم صار يتقدّم على النّاس قاضيا من لا يستحقّه ، فكما غلط فيه من قدمه غلط هو في نفسه بالتكبّر [ عمّن ] « 1 » هو مثل من قدمه . وما عاينته من قضاة الوقت أعظم ممّا استتر فيهم فاللّه تعالى يجبر كسر المسلمين حتى لا يتقدم على النّاس إلّا أعلمهم وأتقاهم بحيث يكون القاضي لا تأخذه في اللّه لومة لائم في سائر البلاد شرقا وغربا . قال المالكي : ذكر سليمان بن عمران رحمه اللّه تعالى أنّ رجلا يقال له ابن زرعة له جاه ورئاسة لقي يوما ابن غانم فشتمه في وجهه في موضع خال ليس فيه أحد وذلك لأنّه حكم عليه بوجه حق ترتب عليه . فاستعداه لذلك ، فأعرض عنه ابن غانم ولم يرد عليه شيئا ، فلما كان بعد ذلك لقيه بطريق الرّيدان « 2 » فسلّم عليه ابن زرعة فردّ عليه ابن غانم السلام ورحّب به ومضى به إلى منزله بالرّيدان فأكرمه وعمل له طعاما كثيرا ، ثمّ رجع ابن غانم إلى القيروان ومعه ابن زرعة فلما أراد مفارقته قال ابن زرعة لابن غانم : يا أبا عبد الرحمن اغفر لي واجعلني في حلّ ممّا كان من خطائي « 3 » فقال ابن غانم : أمّا هذا فلست أفعله حتى أوقفك بين يدي اللّه عزّ وجل . وأمّا أن ينالك منّي في الدنيا مكروه أو عقوبة فلا « 4 » . قلت : والّذي أعرفه لنقل غيره ما هو أخص من هذا وذلك أنّ ابن زرعة نزلت به نازلة بعد أن قال لابن غنم ما قال ؛ وهي أنّ الجند نزلوا في داره وملئوها سلاحا وأنزلوا خيلهم فيها حتى امتلأت زبلا فنظر من يخلّصه مما نزل به فلم يجد إلّا ابن غانم فأتى قاصدا إليه فلما قرب من باب داره ، تذكّر [ ما كان تقدم منه إليه ] « 5 » وهاله ذلك فرجع ثم بدى له وعلم أنّه لا ينجيه إلّا هو فلما قرب من باب داره أراد الرجوع فوقع عليه بصر ابن غانم فقال : مرحبا بأبي زرعة ما جاء بك ؟ فذكر له

--> ( 1 ) في ط : على من . التصويب من : ت . ( 2 ) الريدان ، وردت في المعطار بالألف واللام في آخره « الريدال » وهو موضع فيه كانت بساتين القيروان وجنّاتها ومتنزهاتها زمان عمارتها وعظم شأنها . الروض المعطار ص : 279 . ( 3 ) في الرياض : « من خطابي » 1 / 228 . ( 4 ) الرياض 1 / 228 - 229 . ( 5 ) ما بين المعقوفتين في ت : ما قال .